كل ما يهم . في جميع المجلات
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 رحلة السندباد عند بدر شاكر السيّاب ـــ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 57
تاريخ التسجيل : 22/01/2011

مُساهمةموضوع: رحلة السندباد عند بدر شاكر السيّاب ـــ   30.01.11 12:58

رحلة السندباد عند بدر شاكر السيّاب

إذا كانت رحلة السندباد عند الشاعر خليل حاوي رحلة تطهير للذات ، ورفضاً لأن تكون هذه الذات مهادنة للأوهام وبالتالي تصفية هذه الذات من رموز التخلف والإنحطاط ، أو بتعبير أحد النقّاد :" رحلة عبر النفس وفحص ضمير علني عليها ، يكشف عوراتها وكل نفق من أنفاقها ، (وهي) رحلة لقتل الذوات البرانية التي تعيق الروح عن التكامل، والفنان من ارتياد فنه ، والبطل من معرفة الحرية ، وكان ( الشاعر فيها) يجتاز مراحل ، وهو عبر كل مرحلة يقتل ذاتاً من ذواته التراكمية المزيفة التي تعيقه عن الكمال والخلوص (1) " فإنها عند بدر شاكر السياب رحلة من الإخفاق والمرض ، رحلة تفقد كل مقومات نجاحها على المستوى الإنساني والسياسي والصحي والنفسي ، شراعها اليأس والغربة ، وبحرها عواصف شرسة ، تقتلع رؤى الفرح والإيمان بالمستقبل، إنها تجسد بنية السيّاب النفسية القلقة ، البنية الرهيفة الشفيقة ، المحكومة بالفشل في شتى توجهاتها ، و"على الرغم من أنّ الإنكسار أمام الفاجع في الواقع العربي المعاصر لاسيما في فترة الخمسينات والستينات، ظاهرة مألوفة في حياة المثقفين بسبب الإفتقار العام في هذا الواقع إلى أساس فكري صلب يستند إليها الوعي وبسبب قسوة التحولات الإجتماعية والسياسية في تلك الفترة . هذه التحولات التي ماتزال قائمة وتفعل فعلها ، إلا أن السياب انكسر انكساراً مفجعاً أمام هذا الواقع تحّول إلى هزيمة مؤلمة" (2) .‏

وأمام انكسار السيّاب المفجع في هذا الواقع المأساوي، ستنكسر تجربة الرحلة السندبادية المعاصرة عنده ، وسترتبط كثيراً بدلالات نفسّية خاصة عند الشاعر ، ويضيء هذه الدلالات ويكشف عنها تاريخ السيّاب الشخصي، وحتى لو حاولنا أن نفهم نصوص‏

المؤثرات الخارجية التي تعرض لها السياب ، ودرسناها في ضوء علاقاتها الرمزية واللغوية والأسطورية فقط ، فإننا سنقف عاجزين عن فهم أسئلة كثيرة تثيرها هذه النصوص ، ومن هذه الأسئلة : لماذا يتركز فضاء الموت في هذه النصوص ، وفضاء الحزن والغربة ، وفضاء اليأس والجوع ، واليباب والخيبة ، والبطل الأسطوري الذي لا يعود ، ولا ينبعث ثانية ، والفضاءات السوداء التي تتغلب على فضاءات الفرح ؟. وبالتالي ستحيل الإجابة نفسها إلى واقع شخصي ونفسي خاص عاشه السياب يحيل بدوره إلى واقع وطنه السياسي والإجتماعي، بحيث يصبح الخطاب الشعري عند السياب خطاباً متعدداً ونامياً ، يتداخل تارة مع الذاتي، وأخرى مع الموضوعي، وأخرى مع التاريخي والرمزي والأسطوري التي ترتبط بدورها بالذاتي والموضوعي في تجربة السيّاب وحياته، وترى جوليا كريستيفا(3) أنّ المدلول الشعري يحيل "إلى مدلولات خطابية مغايرة ، بشكل يمكن معه قراءة خطابات عديدة داخل القول الشعري.(و) هكذا يتم خلق فضاء نصيّ متعدد حول المدلول الشعري، تكون عناصره قابلة للتطبيق في النص الشعري الملموس. هذا الفضاء النصي سنسميه فضاء متداخلاً نصيّاً. وإذا ما أخذ القول الشعري داخل التداخل النصي فإنه سيكون مجموعة فرعية من مجموعة أكبر هي فضاء النصوص المطبقة في محيطنا الثقافي ".‏

يقول السياب في قصيدة بعنوان رحل النهار:‏

"رحل النهار‏

هاإنه أنطفأت ذبالته على أفق توهج دون نار‏

وجلست تنتظرين عودة سندباد من السفار‏

والبحر يصرخ من ورائك بالعواصف والرعود‏

هو لن يعود‏

أو ما علمت بأنه أسرته آلهة البحار‏

في قلعة سوداء في جزرمن الدم والمحار‏

هو لن يعود‏

رحل النهار‏

فلترحلي ، هو لن يعود(4)"‏

سندباد السياب المسافر يفقد كل آماله بالعودة الظافرة ، وينطفىء الشعاع الذي ينير له رحلة الكشف والمغامرة بفعل المؤثرات الخارجية القاسية . "ولم يكن هكذا السندباد القديم ، ولكن لا غرابة في أن يكون، فهكذا رآه الشاعر، أو رأى نفسه فيه . إنّ رحلته ليست رحلة كشف ومغامرة يعود بعدها بالطرف الفريدة كما كان شأن السندباد، ولكنها رحلة في عالم الضباب والمجهول ، رحلة لا عودة منها "(5) وإذا كان للأسطورة وظيفة نفسية ترتبط بأحلام البشر وتصوراتهم الرمزية لأشياء أو حيوانات خرافية تومئ إلى تجاربهم النفسية في الحياة ومخاوفهم وآمالهم(6) فإن استخدام السّيّاب لأسطورة السندباد هنا في هذه القصيدة ، يعتبر تجسيداً واعياً لتجربته الطويلة مع المرض ورحلة الإحباط التي رافقته طيلة سنواته الأخيرة .‏

يرتحل السندياد من مدينة إلى مدينة ، ويلاقي أهوالاً كثيرة ، وبالرغم من هذه المصاعب التي تصل حدّ الموت ، يبقى هناك قنديل سريّ أسطوري يشعل اللحظة ويضيء الفتيلة ، وعلى ضوء هذه الفتيلة كانت تلوح طريق العودة، التي يصر الراوي في ألف ليلة وليلة على أن تكون دائما مكللة بالظفر والأموال والجواهر، بالرغم من مدّ الشدائد والأهوال والبحار. " وكنت أنا من جملة من تخلف في الجزيرة فغرقت في البحر مع جملة من غرق ولكن الله تعالى أنقذني ونجّاني من الغرق ورزقني بقصعة خشب كبيرة من تلك التي كانوا يغسلون فيها ، فمسكتها بيدي وركبتها من حلاوة الروح ورفست برجلي مثل المجاذيف والأمواج إلى أن رست بي تحت جزيرة عالية".(7)‏

وينتقل السيّاب من مشفى إلى مشفى حاملاً قروحه وآلامه وغربته ويأسه، من العراق إلى مشفى الجامعة الأمريكية ببيروت في 8 نيسان 1962، إلى مشفى سانت ماري في لندن في 21 كانون الأول 1962، وإلى مشفى دي لاسا لبتريير في باريس، ثم عودة إلى مشفى الموانىء في البصرة، ثم إلى أحد مستشفيات بغداد ، ثم إلى المشفى الأميري بالكويت حيث وفاته يوم الخميس الموافق للرابع والعشرين من كانون الأول 1964(Cool ، ينتقل فاقداً الأمل في شفائه، وتبدو قصيدته "رحل النهار" تجربة مريرة مع هذا الإنتقال .‏

السندباد الأسطورة يعود ظافراً ، أما السندباد السيّاب فلا رجاء بعودته . إذ تضيق فسحة أمله مع مرضه الذي يبدو أسطورياً هو الآخر ، ليس في حالته السحرية بل في حالته المأساوية ، إذ تتعدد هذه الحالات ليصبح المرض عدة أمراض، فتغيب الرؤى المشرقة من القصيدة ، وتتكسر على صفحة البحر الهائج رعوداً وعواصف. ويصبح الأفق ، الفضاء الممتد الذي يشير رمزياً في حالته الجمالية إلى الأمل والنور والخلاص، يصبح عند السيّاب في حالته المرضية سحباً ثقيلة وخوفاً وموتاً :‏

"الأفق غابات من السحب الثقيلة والرعود،‏

الموت من أثمارهن وبعض أرمدة النهار‏

الموت من أمطارهن وبعض أرمدة النهار‏

الخوف من ألوانهنّ وبعض أرمدة النهار‏

رحل النهار.‏

رحل النهار"(9)‏

ويأخذ الموت في أعمال السيّاب الأخيرة ، وبخاصة تلك الأعمال التي أنجزت بين حلعام 1962 إلى حين وفاة السّاب عام 1964 - وهي فترة مرض السيّاب الشديدة - يأخذ حيزاً واسعاً، حيث يصبح ظاهرة متجذّرة ، تحول حياة السيّاب إلى هواجس، وهذيانات ، وكوابيس، وهموم يومية ." إن فضاء الموت يستحوذ على الشعر المعاصر ، عبر الثنائيات الخفيّة يتسرب ، وفي المشهد الشعري يسكن (..) إن الموت محور شعري أساساً، تمتد جذوره إلى ملحمة جلجامش ، وهو يسكن الفعل الشعري بما هو فعل كوني تتجاوب فيه الشعوب، بعيدها وقريبها. كرحم تعيد فيه التجربة الشعرية على الدوام مساءلة العالم فيما هي تعيد مساءلة ذاتها، أنطولوجياً وإجتماعياً - تاريخياً "(10)‏

إن فعل الموت عند السيّاب يرتبط بتجربة خاصة منذ وفاة والدته، حتى وفاة والده في أوائل أيار 1963، إذ لم يستطع أن يذهب إلى المسجد لحضور جنازته، بسبب فقدان السيّاب التام للقدرة على المشي(11)، وسيتعمق تأثير هذا الفعل في قصائده التي ذكرت هذا الفعل وصّورته وحشاً يفترس الأماني والأحلام ،" وكان اهتمام بدر بمشكلة الموت يزيد حدّة بانحدار صحته المتواصل. وكان يشعر بضعف جسده أمام حياة لا ترأف به ولا تقلل من‏

طلباتها. كان في السابق يرى الموت قوة فداء ووسيلة خلاص تؤديان إلى حياة موفورة فضلى. أما الآن فبدأ يشعر أنه مشكلة شخصية بكل ما للتجربة الفردية من صميمية ويقين . كان الموت الآن ، موته هو ، لاموت الآخرين. كان موته وحده ولا يستطيع الآخرون مساعدته - بل إنّ الآخرين مضوا في لامبالاة يتابعون شؤون حياتهم "(12).‏

أمام تأثير فعل الموت نجد أن سندباد السيّاب في هذه القصيدة "رحل النهار" مسجون في قلعة سوداء نائية في جزر بعيدة، تجتاحها العواصف المدمّرة التي ستغرق سفينته إلى القرار، وهذه القلعة هي الأخرى تتأثر بهذا الفعل إذ أنها تغرق في الدم ، وهي هنا تشير رمزياً إلى الكون المصغّر الذي يعيشه السيّاب ، إنه الكون المحكوم بالفشل في الحب والشفاء، والأمل على المستوى الشخصي، وعلى المستوى العام في علاقته مع الحياة الإجتماعية والسياسية في تاريخ العراق . يقول في نفس القصيدة :‏

"خصلات شعرك لم يصنها سندباد من الدمار،‏

شربت أجاج الماء حتى شاب أشقرها وغار‏

ورسائل الحب الكثار‏

مبتلة بالماء منطمسٌ بها ألق الوعود‏

وجلست تنتظرين هائمة الخواطر في دوار:‏

سيعود .لا. حجزته صارخة العواصف في إسار‏

ياسندباد، أما تعود؟‏

كاد الشباب يزول ، تنطفىء الزنابق في الخدود‏

فمتى تعود؟‏

أواه، مدّ يديك يبن القلب عالمه الجديد‏

بهما ويحطم عالم الدم والأظافر والسعار،‏

يبني ولو لهنيهة دنياه‏

آه متى تعود؟"(13)‏

إن المقطع الشعري:" خصلات شعرك لم يصنها سندباد من الدمار -(...) حتى ألق الوعود " يشير إلى تجربة خاصة عاشها السيّاب مع ممرضة لبنانية شابة وجميلة اسمها ليلى، أحضرتها له زوجة الدكتور زويتش الذي أشرف على علاج السّيّاب في بيروت ، بعد أن خرج من مشفى الجامعة الأمريكيةببيروت، إذ كانت هذه الممرضة تلازم بدراً في فندق سان بول ببيروت من الساعة السابعة صباحاً إلى التاسعة مساء(14) ، وهذه الممرضة ستترك أثراً عميقاً في حياته وبعض أعماله الشعرية بعد أن يغادر بيروت،(15) " وكانت الممرضة الجميلة ليلى تلازمه في وحدته ووحشته، وكانت تعتني به جيداً وتعطف عليه . فبدأ بالتدريج يشعر بجاذبية نحوها . فتبادل وإياهاكلمات وديّة فيها تفاهم عميق . وصار يفكر بها ليلاً وينتظر عودتها بشوق كل صباح ، وقد أعطته هي خصلات من شعرها الأشقر وبعض رسائل حبها ليقرأها. ولم ترد أن تخيّب أمله وجعلها شعورها بواجبها المهني تواصل خدمته. لكن امرأة زويتش تقول إنّ ليلى شكت لها أنّ بدراً أسرّ إليها بأنه ينوي أن يتزوجها.(16).‏

ليس غريباً أن تكون " خصلات الشعر"، ورسائل الحب التي ذكرتها القصيدة ، هي تلك التي أهدتها له الممرضة ليلى وقد تكون تشير إلى ذكرياته مع السيدة إقبال زوجته في البصرة ، وربما إلى سيدة أخرى ، وربما إلى حالة أو ذكرى خاصة في حياة السيّاب لا يعرفها إلا هو .‏

وهنا يمكن القول :" إنه ليس هناك إطار معرفي واحد يصلح لتفسير جميع النصوص ، وذلك لأنّ النصوص نفسها ، بوصفها أبنية معرفية تتصل اتصالاً وثيقاً بالعالم الخارجي، إما عن طريق الإحالة المباشرة ، أو عن طريق التشويش المتعمد لهذه الإحالة . كذلك قد يفرز النص أحياناً دلالات لا يستطيع المفسّر احتواءها داخل إطاره المعرفي ، وتتطلب إطاراً معرفياً آخر . وعلى هذا يمكننا أن نقول إنه ليس هناك معايير عالمية ثابتة لتفسير النصوص وشرح دلالاتها كلها ".(17)‏

يغرب النهار، ويصرّح السيّاب بحقيقة الفاجع، مثقلاً بالأحزان، طالباً من المرأة أن تنساه وترحل ولكن المرأة الوفية تنتظر الفارس القادم من وراء المحيطات مادّاً يديه، ليعود شبابها إليها، وليبني قلبها عالمه الجديد ، بعد طول انتظار، إنها تنتظره في زمن أسود ، زمن يفقدها شبابها ونضارتها ، والفعل السندبادي هو الآخر لا يستطيع أن يحافظ على نضارتها، باعتباره فعلاً ملغى ومنهكاً على المستوى الصحي، ومقموعاً على المستوى السياسي .‏

إنه زمن المرارة ، زمن الإنتظار المالح، الذي تفقد فيه المرأة بريقها الأنثوي، فيغور شعرها، ويغزوه الشيب في عزّ الصبا حزناً على السندباد الغائب.و" قد كان السيّاب بحكم موقعه الزمني شديد البحث عن الرمز لا يهدأ له بال، وكانت حاجته إلى الرموز قوية بسبب نشوبه في أزمات وتقلبات نفسية وجسمية ، وبسبب التغيرات العنيفة في المسرح السياسي بالعراق ، حينئذ، ولهذا يصلح أن يكون السيّاب نموذجاً للشاعر الذي يطلب الرمز في قلق من يبحث عن مهدىء لأعصابه المستوفزة، فهو يتصيده حيثما وجده"(18).‏

إن توظيف أسطورة السندباد عند السيّاب يأخذ منحى إنسانياً جديداًفي عمق دلالته ، إذ يأخذ السندباد عنده شكلاً وموقفاً مغايراً لما هو عليه في الأسطورة . وكثيراً ما يساهم إحساس الشاعر الجمالي بحركية الأبطال الأسطوريين وطبيعة مواقفهم الفكرية، بالتدليل على مآسي الإنسان المعاصر ، ومآسي الشاعر نفسه ، الذي يتخذ من الرمز الأسطوري قناعاً له في كثير من الأحيان. وقد يغير الشاعر من هذه المواقف فيضيف إليها ويحذف منها ، ويشكلها تشكيلاً جديداً وفق رؤيته الخاصة، التي تناسب موقفاً ما يريد أن يبرزه داخل نصّه الشعري .‏

في ألف ليلة وليلة ، يحقق السندباد - الأسطورة- لأسرته وزوجته كل ما تمنته ورغبت فيه من طمأنينة وأمان نفسي ، وقصر فسيح، وخدم ، وعودته إلى بغداد عودة الظافر ،" وتوجهت إلى مدينة بغداد دار السلام ، ومعي من الحمول والمتاع والأسباب شيء كثير له قيمة عظيمة ثم جئت إلى حارتي ودخلت بيتي وقد جاء جميع أهلي وأصحابي ثم إني اشتريت لي خدماً وحشماً ومماليك وسراري وعبيداً حتى صار عندي شيء كثير،‏

واشتريت لي دوراً وأماكن وعقاراً أكثر من الأول"(19) أما السندباد المعاصر - السيّاب فإنه لم يحقق التوق وشعلة الحنين المتفجرة عند المرأة نحو الحبّ والأمان والرجل الغائب، لأنّ زمن السيّاب الفاجع يقف محبطاً أمنية المرأة وحلمها، فتغيب إشراقتها المتألقة، وتفقد الوعود الجميلة بريقها بعدم تحققها ، وتذوب رسائل الحبّ بماء البحر المالح ، ويطفىء الزمن توهج الحلم .وحين تشعر المرأة أنها على حافة الزمان، فإن رغبتها في التواصل الإنساني مع الرجل الغائب تدفعها للتعلق ولوببصيص من نور ، فتعيش على هذا الحلم الذي يبرد أعماقها المجروحة ، وتمني نفسها بعودته . ثمة عاصفة أسرته وحجزته بعيداً ، لكنها لن تدوم ، ولها أمل في عودته الظافرة . إنّ حضوره يشعل اللحظة ، ويجدد الحياة ، ويبعثها من جديد ، ويعيد لها طاقاتها الجمالية ، وحينما تمسك قبضتيه ، يعمّ الخصب والنماء ، ويتجدد القلب :‏

"دعني لآخذ قبضتيك كماء ثلج في إنهمار‏

من حيثما وجهت طرفي .. ماء ثلج في انهمار‏

في راحتي يسيل ، في قلبي يصب إلى القرار‏

يا طالما بهما حلمت كزهرتين على غدير‏

تتفتحان على متاهة عزلتي ."(20)‏

ومن خلال حالة السياب الصحية والنفسية ، وفشله من خلال مرضه الطويل يمكننا فهم السبب الذي جعله يلغي عودة البطل الأسطوري ، وبالتالي غياب السندباد ، وتمزق شراع سفينته . ونستطيع فهم هذه السمفونية الكئيبة التي يتكرر العزف عليها من خلال دلالة اللغة وإيحاءاتها . إن السندباد الذي " يستخدمه الشاعر نموذجاً للملاح الذي يجوب الآفاق فلا تستقرّ به دار ،(..) لا يعني إلا نفسه "(21).‏

إن فهم السيّاب الواعي لأسطورة السندباد وطاقاتها التعبيرية ، حقق له قدرة على إعادة صياغتها ، وفق رؤية شعرية ذاتيه ، جسدت تجربته الإنسانية المعاصرة ومعاناته مع المرض واليأس والغربة والإرتحال من بلد إلى بلد طلباً للشفاء .و" لامراء في أنّ المحدثين قد برع منهم نفر في استخدام الرمز واستخدام الأسطورة بما لم يتح لأحد من التقليديين ، وإن شئت فانظر إلى شعر الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب "(22)‏

وتنتهي القصيدة لتؤكد حسّ الفاجع المأساوي عند بدر شاكر السيّاب ، فالبحر متسع وخاو ولا أثر للسندباد . وحده الشراع الممزق يترنح فوق صفحة الماء، فلترحلي أيتها المرأة، ولا جدوى من الانتظار بعد أن فقد السندباد كل آماله بالشفاء والعودة الظافرة إلى جيكور والبصرة .‏

"رحل النهار‏

والبحر متسع وخاو لا غناء سوى الهدير‏

وما يبين سوى شراع رنّحته العاصفات ، وما يطير‏

إلا فؤادك فوق سطح الماء يخفق في انتظار‏

رحل النهار‏

فلترحلي ، رحل النهار"(23)‏

ويمكن أن يكشف فضاء النص الشعري السابق عن استفادة الشاعر بدر شاكر السيّاب من الأسطورة اليونانية “ أوديس “ أو عوليس وزوجته " بنلوب" باعتبار أوديس رمزاً للجواب المغامر ، وباعتبار بنلوب رمزاً لزوجته الوفيه التي تنتظره على شاطىء البحر، لأن ثمة ملامح مشتركة بين السندباد وبين أوديس، وتتداخل هاتان الأسطورتان في الخطاب الشعري العربي المعاصر تداخلاً واضحاً ، حتى يبدو إيجاد الفرق بينهما من حيث الدلالة والرؤية الشعرية صعباً جداً .‏

وهناك ملامح سندبادية أخرى تظهر عند الشاعر بدر شاكر السيّاب ، وبخاصة في قصائده :" الليلة الأخيرة " من ديوان منزل الأقنان ،و" أفياء جيكور " و "الوصية " من ديوان المعبد الغريق . لكنني أكتفي بالنموذج السابق “ رحل النهار” كواحد من أكثر النماذج السندبادية عمقاً ومعاناة في تجربة السيّاب الذاتية والخاصة‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bac2.3oloum.org
 
رحلة السندباد عند بدر شاكر السيّاب ـــ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
من اجل الجميع :: مستوى الثانوي :: عربية-
انتقل الى: